فصل: الحديث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الخَامِس بعد الْعشْرين:

عَن أبي قَتَادَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَنه خرج مَعَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتخلف مَعَ بعض أَصْحَابه، وَهُوَ حَلَال وهم محرمون، فَرَأَوْا حمر وَحش، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسه ثمَّ سَأَلَ أصحابَه أَن يناولوه سَوْطًا فَأَبَوا فسألَهُم رمْحَه، فَأَبَوا، فَأَخذه وَحمل عَلَى الْحمر فعقر مِنْهَا أَتَانَا، فَأكل مِنْهَا بَعضهم وأَبَى بَعضهم، فلمَّا أَتَوا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سَأَلُوهُ، فَقَالَ: هَل مِنْكُم أحد أمره أَن يحمل عَلَيْهَا أَو أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِي من لَحمهَا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنهُ، قَالَ: «كُنْتُ يَوْمًا جَالِسا مَعَ رجالٍ من أَصْحَاب النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي منزلٍ فِي طَرِيق مَكَّة، وَرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم نَازل أمامنا، وَالْقَوْم مُحْرِمُون وَأَنا غيرُ مُحْرِم، عَام الْحُدَيْبِيَة، فأبْصَرُوا حمارا وحشيًّا وَأَنا مَشْغُول أَخْصِفُ نَعْلي، فَلم يُؤْذِنُوني وأحبوا لَو أَنِّي أبصرته، فقمتُ إِلَى الفرسِ فأسرجته ثمَّ ركبتُ ونسيتُ السَّوْطَ والرُّمْحَ؛ فَقلت لَهُم: نَاوِلُوني السَّوْطَ والرُّمْحَ، قَالُوا: لَا واللهِ لَا نُعِينكَ عَلَيْهِ بِشَيْء، فغضبتُ فنزلتُ فأخذتُهما، ثمَّ ركبتُ، فشددتُ عَلَى الْحمار فعقرتُه، ثمَّ جئتُ بِهِ وَقد مَاتَ، فوقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثمَّ إنَّهُمْ شكُّوا فِي أكْلِهم إِيَّاه وهم حُرُم، فرحنا وخبَّأتُ العضدَ معي فأدركْنَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فسألنَْاهُ عَن ذَلِك، فَقَالَ: هَل مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء؟ فَقلت: نَعَمْ. فناولْتُه العَضُدَ، فَأكلهَا حَتَّى نَفَّدَها وَهُوَ مُحْرِم». وَفِي رِوَايَة لَهما: «إِنَّمَا هِيَ طعمة أطعمكموها اللَّهُ». وَفِي أُخْرَى لَهما: «فَهُوَ حَلَال، فَكُلُوا». وَفِي رِوَايَة لَهما من حَدِيث أبي قَتَادَة: فَقَالَ لَهُم النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «هَل مِنْكُم أحد أمره أَن يَحْمِل عَلَيْهَا، أَو أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فكُلُوا مَا بَقِي مِنْ لَحمهَا» وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «هَل أَعنتم أَو أَشرتم أَو أصدتم». وَفِي رِوَايَة لَهُ قَالَ: «هَل مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء؟ قَالَ: مَعنا رِجله. فَأَخذه النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأكلهَا». وَفِي رِوَايَة للطحاويِّ فِي شرح الْآثَار: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام بعث أَبَا قَتَادَة عَلَى الصَّدَقَة، وَخرج عَلَيْهِ السَّلَام وأصحابُه وهُمْ مُحْرِمُون، حَتَّى نزلُوا عسفانَ، وَجَاء أَبُو قَتَادَة وَهُوَ حل...» الحَدِيث. وَفِي رِوَايَة للدارقطني وَالْبَيْهَقِيّ فِي حَدِيث أبي قَتَادَة أَنه قَالَ حِين اصطاد الْحمار الوحشي: «فذكرتُ شَأْنه لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وذكرتُ أَنِّي لم أَكُن أحرمتُ، وَأَنِّي إِنَّمَا اصطدته لَك، فَأمر النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَصْحَابه، فأكَلُوا وَلم يأكُلْ حِين أخبرتُه أَنِّي اصطدتُه لَهُ» قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قَالَ أَبُو بكر النيسابوريُّ: قَوْله: «إِنَّمَا اصطدتُه لَك» وَقَوله: «و لم يأكلْ مِنْهُ» لَا أعلم أحدا ذكَرَه فِي هَذَا الحَدِيث غير معمر، وَهُوَ مُوَافق لِمَا رُوي عَن عُثْمَان.
قَالَ ابْن حزم فِي محلاه: وَلم يذكر سماعَه من عبد الله بن أبي قَتَادَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذِه الزِّيَادَة غَرِيبَة، وَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أكل مِنْهُ»، وَإِن كَانَ الإسنادان صَحِيحَيْنِ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح المهذَّب: ويُحْتمل أَنه جَرَى لأبي قَتَادَة فِي تِلْكَ السفرة قضيتان للجَمْع بَين الرِّوَايَتَيْنِ. وَقَالَ ابْن حزم: إِنَّهَا قَضِيَّة وَاحِدَة فِي وَقت وَاحِد فِي مَكَان وَاحِد، فِي صيدٍ واحدٍ. قَالَ: وَلَا يشك أحد فِي أَن أَبَا قَتَادَة لم يصد الْحمار إِلَّا لنَفسِهِ ولأصحابه وهم محرمون، فَلم يمنعهُم رَسُول الله من أكله. وَخَالفهُ ابْن عبد الْبر فَقَالَ: كَانَ اصطياده الْحمار لنَفسِهِ لَا لأَصْحَابه، وَكَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وجَّه أَبَا قَتَادَة عَلَى طَرِيق الْبَحْر مَخَافَة العدوِّ، فَلذَلِك لم يكن محرما إِذْ اجْتمع مَعَ أَصْحَابه؛ لِأَن مخرجهم لم يكن وَاحِدًا. قَالَ: وَكَانَ ذَلِك عَام الْحُدَيْبِيَة أَو بعده بعام عَام الْقَضِيَّة.
آخر الْجُزْء الرَّابِع، بحَمْدِ الله وعونه.

.الحديث السَّادِس بعد الْعشْرين:

«أَن الصَّعْب بن جَثَّامة أهْدَى للنَّبِي حمارا وحشيًّا فَرده عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجهه قَالَ: إِنَّا لم نَرده عَلَيْك إِلَّا أَنا حرم».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَذَلِك، وَفِي روايتهما: «أَنه أهداه لَهُ وَهُوَ بالأبواء، أَو بودان».
وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «من لحم حمَار وَحش». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «رجل حمَار وَحش». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «عجز حمَار وَحش يقطر دَمًا». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «شقّ حمَار وَحش». وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي حَدِيث زيد بن أَرقم: «عُضْو من لحم صيد». وَقد أوضحت الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث فِي شرح الْعُمْدَة، فَليُرَاجع مِنْهُ.
والصَّعْب: بِفَتْح الصَّاد، وَإِسْكَان الْعين الْمُهْملَة، وجَثَّامة: بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْمُثَلَّثَة.

.الحديث السَّابِع بعد الْعشْرين:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان، وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ».
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي شُرُوط الصَّلَاة، فَرَاجعه من ثمَّ.

.الحديث الثَّامِن بعد الْعشْرين:

«أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَضَى فِي الضَّبع بكبش».
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق، أقواها وأصحها رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أبي عمار، عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: «سَأَلت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الضبع، فَقَالَ: هُوَ صيد، وَيجْعَل فِيهِ كَبْش إِذا صَاده الْمحرم».
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسكت عَلَيْهِ، والتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَالنَّسَائِيّ، وَصَححهُ ابْن حبَان أَيْضا وَلَفظه: «أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَن الضبع، فَقَالَ: هِيَ صيد، وفيهَا كَبْش» ثمَّ قَالَ: ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن هَذَا الْخَبَر تفرد بِهِ جرير بن حَازِم يَعْنِي رَاوِيه عَن عبد الله بن عبيد، عَن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور، ثمَّ سَاق من حَدِيث عبد الرَّزَّاق، عَن ابْن جُريج، عَن عبد الله بن عبيد، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمار، قَالَ: «سَأَلت جَابِرا عَن الضبع آكله؟ قَالَ: نعم. قلت: أصيد هُوَ؟ قَالَ: نعم، قلت: عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: نعم».
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِلَفْظ: «جعل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الضبع يُصِيبهُ الْمحرم كَبْشًا نجديًّا، وَجعله من الصَّيْد».
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه كَذَلِك، إِلَّا أَنه لم يقل «نجديًّا».
وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «الضبع صيد؛ فَإِذا أَصَابَهُ الْمحرم فَفِيهِ جَزَاء كَبْش مسن ويؤكل» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بقريب من لفظ أبي دَاوُد وبقريب من لفظ الْحَاكِم الآخر، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث جيد تقوم بِهِ الْحجَّة. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عِيسَى: سَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ فَقَالَ: هُوَ حَدِيث صَحِيح.
وَقَالَ عبد الْحق فِي كتاب الْأَضَاحِي من أَحْكَامه: إِسْنَاده صَحِيح، وسكت عَلَيْهِ هُنَا.
وَله طَرِيق أُخْرَى عَن جَابر رَوَاهُ الْأَجْلَح الْكِنْدِيّ، عَن أبي الزبير عَنهُ مَرْفُوعا. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ، وروياه أَيْضا مَوْقُوفا. قَالَ ابْن الْقطَّان: الْأَجْلَح يرفعهُ، وَالْجَمَاعَة تقفه. قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ.
الطَّرِيق الثَّانِي: رِوَايَة عَمْرو بن أبي عَمْرو، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «الضبع صيد، وَجعل فِيهِ كَبْشًا».
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ، وَعَمْرو هَذَا الْأَكْثَرُونَ عَلَى توثيقه كَمَا تقدم قَرِيبا فِي الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن سعيد بن سَالم، عَن ابْن جريج، عَن عِكْرِمَة مولَى ابْن عَبَّاس يَقُول: «أنزل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ضبعًا صيدا، وَقَضَى فِيهَا كَبْشًا»، ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا حَدِيث لَا يثبت مثله لَو انْفَرد. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لانقطاعه، ثمَّ أكده بِحَدِيث ابْن أبي عمار السالف، قَالَ: وَقد رُوِيَ مَوْصُولا، فَذكره كَمَا أسلفناه.
وَرَوَاهُ مَوْقُوفا عَلَى ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: «فِي الضبع كَبْش». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة، عَن عَلّي.
الطَّرِيق الثَّالِث: من رِوَايَة الْأَجْلَح، عَن أبي الزبير، عَن جَابر، عَن عمر بن الْخطاب- قَالَ: لَا أرَاهُ إِلَّا قد رَفعه-: «أَنه حكم فِي الضبع بكبش، وَفِي الغزال بعنز، وَفِي الأرنب بعناق، وَفِي اليربوع بجفرة». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ: الصَّحِيح أَنه مَوْقُوف عَلَى عمر، كَذَلِك رَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن مَالك، عَن أبي الزبير، عَن جَابر عَنهُ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان، عَن عَطاء، عَن جَابر عَنهُ، وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: إِن الْمَوْقُوف أصح من الْمسند.
قلت: وَالْأَجْلَح صَدُوق شيعي جلد، قَالَ يَحْيَى: ثِقَة. وَقَالَ ابْن عدي: لم أجد لَهُ شَيْئا مُنْكرا إِلَّا أَنه يعدُّ فِي شيعَة الْكُوفَة، وَهُوَ صَدُوق. وَقَالَ السَّعْدِيّ: مفتر. وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ لَا يدْرِي مَا يَقُول؛ جعل أَبَا سُفْيَان أَبَا الزبير. وَقَالَ أَحْمد: قد رَوَى غير حَدِيث مُنكر. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لَا يحْتَج بِهِ.

.الحديث التَّاسِع بعد الْعشْرين:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِن الله عَزَّ وجَلَّ حرم مَكَّة، لَا يُخْتَلَى خَلاهَا، وَلَا يعضد شَجَرهَا وَلَا ينفر صيدها. فَقَالَ الْعَبَّاس: إِلَّا الْإِذْخر يَا رَسُول الله؛ فَإِنَّهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتنَا، فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخر».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا تقدم فِي الْبَاب، وَهُوَ الحَدِيث السَّادِس عشر. وَقَول الرَّافِعِيّ فِي الشوك، وَفِي وَجه اخْتَارَهُ صَاحب التَّتِمَّة أَنَّهَا مَضْمُونَة لإِطْلَاق الْخَبَر.
قلت: بل صَرِيحَة فِيهِ وَهِي لَا يعضد شَوْكهَا.

.الحديث الثَّلَاثُونَ:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم استهدي بِمَاء زَمْزَم من سُهَيْل بن عَمْرو عَام الْحُدَيْبِيَة».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عبد الله بن المؤمل، وَقد سلف حَاله فِي أَوَاخِر الْبَاب قبله، عَن ابْن مُحَيْصِن، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «استهدى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سُهَيْل بن عَمْرو من مَاء زَمْزَم».
قَالَ: وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس، ثمَّ رُوِيَ من حَدِيث خَلاد بن يَحْيَى، ثَنَا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، ثَنَا أَبُو الزبير قَالَ: كُنَّا عِنْد جَابر بن عبد الله فَذكر حَدِيث: «مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ» قَالَ: ثمَّ أرسل النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ قبل أَن تفتح مَكَّة إِلَى سُهَيْل بن عَمْرو: «أَن أهد لنا من مَاء زَمْزَم وَلَا يتْرك. قَالَ: فَبعث إِلَيْهِ بمزادتين».

.الحديث الحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ:

أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة مِثْلَمَا حرم إِبْرَاهِيم مَكَّة، لَا ينفر صيدها وَلَا يعضد شَجَرهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلاهَا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، خرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عبد الله بن زيد بن عَاصِم، أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة ودعا لأَهْلهَا، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة كَمَا حرم إِبْرَاهِيم مَكَّة».
وَأخرجه مُسلم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ بِلَفْظ: «اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة فَجَعلهَا حرما، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة حَرَامًا مَا بَين مأْزِمَيْها، أَلا يهراق فِيهَا دم، وَلَا يحمل فِيهَا سلَاح لقِتَال، وَلَا يُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَة إِلَّا لعلف».
وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث جَابر بِلَفْظ: «إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة مَا بَين لابتيها، لَا يقطع عضاهها وَلَا يصاد صيدها».
وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده، من حَدِيث أبي قَتَادَة: «اللَّهُمَّ إِنِّي حرمت مَا بَين لابتيها، كَمَا حرمت عَلَى لِسَان إِبْرَاهِيم الْحرم».
وَأخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث رَافع بن خديج، وَسعد بن أبي وَقاص، وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث أنس.

.الحديث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِنِّي أحرم مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أَن يقطع عضاهها، أَو يقتل صيدها».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص رَضي اللهُ عَنهُ بِهَذَا اللَّفْظ وَزِيَادَة.
واللابتان: الحرتان وَهِي أَرض تلبسها حِجَارَة سود، والعِضاه: الشّجر.

.الحديث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ:

«أَن سعد بن أبي وَقاص أَخذ سلب رجل قتل صيدا فِي الْمَدِينَة، وَقَالَ: سَمِعت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: من رَأَى رجلا يصطاد بِالْمَدِينَةِ فليسلبه».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث عَامر بن سعد: «أَن سَعْدا ركب إِلَى قصره بالعقيق فَوجدَ عبدا يقطع شَجرا أَو يخبطه فسلبه، فَلَمَّا رَجَعَ سعد جَاءَهُ أهل العَبْد فكلموه أَن يرد عَلَى غلامهم أَو عَلَيْهِم مَا أَخذ من غلامهم، فَقَالَ: معَاذ الله أَن أرد شَيْئا نفلنيه رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَبَى أَن يرد عَلَيْهِم». وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم، واستدركه الْحَاكِم، وَقَالَ: إِنَّه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ.
وَقَالَ الْبَزَّار بعد أَن أخرجه: هَذَا الحَدِيث لَا نعلم رَوَاهُ عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا سعد بن أبي وَقاص، وَلَا رَوَاهُ عَن سعد إِلَّا عَامر بن سعد.
قَالَ الْمُنْذِرِيّ: قد رَوَيْنَاهُ من حَدِيث سُلَيْمَان بن أبي عبد الرَّحْمَن، عَن سعد، وَمن حَدِيث مولَى سعد، عَن سعد، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ من وَجه يثبت.
فَائِدَة: العقيق هَذَا بَينه وَبَين الْمَدِينَة عشرَة أَمْيَال، وَبِه مَاتَ سعد وَحمل إِلَى الْمَدِينَة وَدفن بهَا، هَكَذَا نقل الْحَافِظ محب الدَّين فِي أَحْكَامه عَن ابْن الْجَوْزِيّ أَن بَينهمَا عشرَة أَمْيَال، ثمَّ قَالَ: وَمَا أرَاهُ إِلَّا أقرب إِلَى الْمَدِينَة من هَذِه الْمسَافَة.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ: «أَنهم كلموا سَعْدا فِي هَذَا السَّلب، فَقَالَ: مَا كنت لأرد طعمة أطعمنيها رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم».
قلت: هَذِه الرِّوَايَة بِهَذَا اللَّفْظ أخرجهَا أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من رِوَايَة سُلَيْمَان بن أبي عبد الله، قَالَ: «رَأَيْت سعد بن أبي وَقاص أَخذ رجلا يصيد فِي حرم الْمَدِينَة الَّذِي حرم رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فسلب ثَوْبه فجَاء موَالِيه فكلموه فِيهِ، فَقَالَ: إِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حرم هَذَا الْحرم، وَقَالَ: من وجد أحدا يصيد فِيهِ فليسلبه، فَلَا أرد عَلَيْكُم طعمة أطعمنيها رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَكِن إِن شِئْتُم دفعت إِلَيْكُم ثمنه».
رِجَاله كلهم ثِقَات، إِلَّا سُلَيْمَان بن أبي عبد الله، فَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ هُوَ بالمشهور لَكِن يعْتَبر بحَديثه، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد، وَذكره أَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي ثقاته، وَفِي رِوَايَة للبيهقي «أَن سَعْدا كَانَ يخرج من الْمَدِينَة فيجد الحاطب من الْحطاب مَعَه شجر رطب قد عضده من بعض شجر الْمَدِينَة فَيَأْخُذ سلبه، فَيُكَلَّم فِيهِ. فَيَقُول: لَا أدع غنيمَة غنمنيها رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِنِّي لمن أَكثر النَّاس مَالا».
وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِهَذَا اللَّفْظ أَيْضا فِي مُسْتَدْركه، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.

.الحديث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ:

رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «صَيدُ وجّ مُحَرَّمٌ للهِ تَعَالَى».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه مُنْفَردا بِهِ، عَن حَامِد بن يَحْيَى، عَن عبد الله بن الْحَارِث، عَن مُحَمَّد بن عبد الله الطَّائِفِي، عَن أَبِيه، عَن عُرْوَة بن الزبير، عَن أَبِيه، قَالَ: «لما أَقبلنَا مَعَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم من لِيَّة حَتَّى إِذا كُنَّا عِنْد السِّدْرَة وقف رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي طرف القَرْن الْأسود حذوها فَاسْتقْبل نَخِْبا ببصره- وَقَالَ مرّة: واديه- وقف حَتَّى اتَّقَفَ النَّاس كلهم، ثمَّ قَالَ: إِن صيدَ وجٍّ وعِضَاهه حَرْم مُحَرَّمٌ لله». وَذَلِكَ قبل نزُول الطَّائِف وحصاره لثقيف. سكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ عَلَى قَاعِدَته حسن أَو صَحِيح، وَكَذَا سكت عَلَيْهِ عبد الْحق، وَهُوَ قَاض بِصِحَّتِهِ عِنْده. ورَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده، عَن عبد الله بن الْحَارِث المَخْزُومِي: حَدَّثَني مُحَمَّد بن عبد الله بن إِنْسَان، وَأَثْنَى عَلَيْهِ خيرا، ثمَّ سَاقه، وَمُحَمّد بن عبد الله هَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم: إِنَّه لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَفِي حَدِيثه نظر. وَذكره البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير وَذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: لم يُتَابع عَلَيْهِ، وَذكر أَبَاهُ وَذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: لم يَصح. وَكَذَا قَالَ الْأَزْدِيّ، وَقَالَ ابْن حبَان: رَوَى عَنهُ ابْنه مُحَمَّد، لم يَصح حَدِيثه. وَنقل مثل هَذِه الْعبارَة فِيهِ أَيْضا عَن البُخَارِيّ ابْن الْقطَّان فِي علله، وَذكر ابْن أبي خَيْثَمَة، عَن ابْن معِين أَنه قَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَذكر الْخلال فِي علله أَن أَحْمد ضعفه. وَقَالَ ابْن حبَان فِي ثقاته: كَانَ يُخطئ. وَمثل هَذِه الْعبارَة لَا تقال إِلَّا فِيمَن رَوَى عدَّة أَحَادِيث، فَأَما عبد الله فَهَذَا الحَدِيث أول مَا عِنْده وَآخره، فَإِن كَانَ قد أَخطَأ فَحَدِيثه مَرْدُود عَلَى قَاعِدَة ابْن حبَان.
وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابع مُحَمَّد هَذَا إِلَّا من جِهَة تقاربها، قَالَ: وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء إِلَّا مَرَاسِيل، وَإسْنَاد آخر يُقَارب هَذَا.
وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِي علله: يرويهِ عبد الله بن الْحَارِث المَخْزُومِي، عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الله بن إِنْسَان، عَن أَبِيه، عَن عُرْوَة بن الزبير، عَن الزبير، كَذَلِك رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه. والْحميدِي، وَحدث الْبَغَوِيّ، عَن أَحْمد بن حَنْبَل، عَن عبد الله بن الْحَارِث، فَقَالَ: عَن عبد الله بن عبد الله بن إِنْسَان. إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الله، كَذَلِك حدث بِهِ عبد الله بن أَحْمد ومُوسَى بن هَارُون، عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحميدِي وَإِسْحَاق.
وَأغْرب الذَّهَبِيّ فَقَالَ فِي مِيزَانه: إِن الشَّافِعِي صحّح حَدِيثه وَاعْتمد عَلَيْهِ.
قلت: وَضَعفه من الْمُتَأَخِّرين: النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب، والتهذيب: إِسْنَاده ضَعِيف. قَالَ: وَقَالَ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه: لَا يَصح. وَخَالف الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب، فَقَالَ: إِنَّه حَدِيث حسن بعد أَن سَاقه من طَرِيق أبي دَاوُد، وَقد خَالف هَذَا فِي مُخْتَصر سنَن أبي دَاوُد بِمَا تقدم.
فَائِدَة: فِي ضبط مَا وَقع فِي هَذَا الحَدِيث من الْأَلْفَاظ الَّتِي قد تُصَحَّف: لِيَّة: بِكَسْر أَوله، وَتَشْديد ثَانِيه، كَذَا ضَبطه الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه. وَقَالَ صَاحب الإِمَام: هُوَ مكسور اللَّام. فَفِي رِوَايَة الْخَطِيب مُخَفّفَة، وَفِي رِوَايَة غَيره مُشَدّدَة كَذَا قَالَ الْبكْرِيّ، وَهِي من أَرض الطَّائِف عَلَى أَمْيَال يسيرَة، وَهِي عَلَى لَيْلَة من قرن.
والقَرْن: جبل صَغِير، قَالَه الْخطابِيّ، قَالَ: ورأيته يشرف عَلَى وهدة.
ونَخْب: بِفَتْح أَوله، وَإِسْكَان ثَانِيه بعده بَاء مُوَحدَة، وَاد من وَرَاء الطَّائِف، قَالَه الْبكْرِيّ. قَالَ: وَحَكَى السكونِي نَخِب: بِكَسْر الْخَاء عَلَى وزن فَعِل.
قلت: وَكَذَا ضَبطه الْحَازِمِي فِي مؤتلفه نقلا عَنهُ، ثمَّ قَالَ. وَيُقَال: هُوَ وادٍ بالسِّرَاه، وَقَالَ الْأَخْفَش: وادٍ بِأَرْض هُذَيْل. وَقَالَ الْخطابِيّ: أرَاهُ جبلا أَو موضعا، وَلست أُحِقُّه.
وأيقف مُطَاوع وقف تَقول: وقفته فأيقف، مثل وعدته فأيعد وَالْأَصْل فِيهِ أييقف وأييعد، فَلَمَّا ثقل النُّطْق بِهِ أدغموا.
قَالَ ابْن الْأَثِير: والعِضَاه من الشّجر مَا كَانَ لَهُ شوك.
ووَجٌّ بواوٍ مَفْتُوحَة، ثمَّ جِيم مُشَدّدَة، قَالَ الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب: وَهُوَ وادٍ بصحراء الطَّائِف. وَهَكَذَا قَالَه غَيره من أَصْحَابنَا الْفُقَهَاء، وَقَالَهُ الْخطابِيّ أَيْضا، وَهَذَا لَفظه: وَجٌّ ذكرُوا أَنه من نَاحيَة الطَّائِف. وَكَذَا قَالَه ابْن الْأَثِير فِي جامعه: أَنه وادٍ بَين مَكَّة والطائف.
وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وجٌّ بلد الطَّائِف. وَنَقله النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب والتَّهْذِيب عَن أهل اللُّغَة كلهم. وَقَالَ الْحَازِمِي فِي مؤتلفه: وجٌّ: اسْم لحصون الطَّائِف، وَقيل لواحدٍ مِنْهَا.
وَقَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه: وَجَّ بِفَتْح أَوله وَتَشْديد ثَانِيه، هُوَ الطَّائِف، وَقيل هُوَ وادِ الطَّائِف، وَفِي الحَدِيث: «وَثَقِيف أَحَق النَّاس بوَجَّ».
وَعَن خَوْلَة بنت حَكِيم امْرَأَة عُثْمَان بن مَظْعُون مَرْفُوعا: «إِن آخر وَطْأَة وَطئهَا الله تَعَالَى بوجّ».
قَالَ أَبُو مُحَمَّد: يُرِيد أَن آخر مَا أوقع الله بالمشركين بوج، وَهِي الطَّائِف. وَكَذَلِكَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: آخر غَزْوَة غَزَاهَا رَسُول الله الطَّائِف، وحنين، وحنين وَادي الطَّائِف.
وَقَالَ غَيره: إِن وَجًّا مقدس، مِنْهُ عرج الرب- تبَارك وَتَعَالَى- إِلَى السَّمَاء حَتَّى قَضَى إِلَى السَّمَاوَات وَالْأَرْض. قَالَ مُحَمَّد بن سهل: سميت بوج بن عبد الْحَيّ من العمالقة، هُوَ أول من نزلها.
قَالَ الْخطابِيّ: وَلست أعلم لتَحْرِيم صيد وجٍّ مَعْنَى إِلَّا أَن يكون حرمه وقتا مَخْصُوصًا ثمَّ أحله، وَيدل عَلَى ذَلِكَ قَوْله: «قبل نُزُوله الطَّائِف وحصاره ثقيفًا»، ثمَّ عَاد الْأَمر فِيهِ إِلَى الْإِبَاحَة.
قلت: وَرُبمَا اشْتبهَ «وَج» هَذَا بوح بِالْحَاء الْمُهْملَة، قَالَ الْحَازِمِي: هِيَ نَاحيَة بعمان.

.الحديث الخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حمى النَّقيع لإبل الصَّدَقَة ونِعَمَ الْجِزْيَة».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ بلاغًا، وَأحمد وَأَبُو دَاوُد مُتَّصِلا، أما البُخَارِيّ فساق من حَدِيث الصعب بن جَثَّامة رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ: إِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا حمى إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ». وَقَالَ: «بلغنَا أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حمى النَّقيع، وَأَن عمر حمى الشّرف والربذة».
وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَوَقع فِي الْإِلْمَام أَنه مُتَّفق عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَقد ذكر هُوَ فِي أَوَاخِر اقتراحه فِي أَحَادِيث عَلَى شَرط الصَّحِيحَيْنِ وَلم يخرجاها. نعم هُوَ فِي البُخَارِيّ كَمَا قَرّرته لَك، وَوَقع فِي هَذَا الْوَهم ابْن الرّفْعَة فِي مطلبه.
وَأما أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد فَإِنَّهُمَا أَخْرجَاهُ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث، عَن ابْن شهَاب، عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود، عَن ابْن عَبَّاس عَن الصَّعْب بن جَثَّامة «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام حمى النقيع، وَقَالَ: لَا حمى إِلَّا للهِ عَزَّ وجَلَّ».
هَذَا لفظ أبي دَاوُد، وَلَفظ أَحْمد: «إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ».
وَأخرجه الْحَاكِم أَبُو عبد الله بِلَفْظ أَحْمد ثمَّ قَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. هَكَذَا! إِنَّمَا اتفقَا عَلَى حَدِيث يُونُس بِإِسْنَادِهِ: «لَا حمى إِلَّا لله وَرَسُوله» هَذَا لَفظه وَقد علمت أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ وَحده. وَذكر الْبَيْهَقِيّ هَذَا الحَدِيث فِي سنَنه، ثمَّ قَالَ: قَالَ البُخَارِيّ: هَذَا وهم. قَالَ الْبَيْهَقِيّ قَوْله: «حمى النقيع» من قَول الزُّهْرِيّ، وَكَذَا قَالَه ابْن أبي الزِّنَاد عَن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث.
قلت: سِيَاق أبي دَاوُد يُخَالف مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث، وَجعل عبد الْحق فِي جمعه بَين الصَّحِيحَيْنِ فِي بَاب النَّهْي عَن بيع فضل المَاء إِلَّا لَفظه قَالَ وبلغنا قَول البُخَارِيّ فَقَالَ: وَقَالَ البُخَارِيّ: بلغنَا «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حمى النيقع...» إِلَى آخِره. وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة عَلَى ذَلِكَ فِي مطلبه.
وَفِي مُسْند أَحْمد، وصَحِيح ابْن حبَان رِوَايَة هَذَا الحَدِيث أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام حمى النقيع لخيل الْمُسلمين».
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْأُم: الَّذِي عَرفْنَاهُ بِهِ نصًّا وَدلَالَة فِيمَا حمى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم «أَنه حمى النقيع». وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: أَنا غير وَاحِد من أهل الْعلم «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه حمى النقيع، وَأَن عمر حمى الشّرف والربذة».
فَائِدَة: النقيع- الْمَذْكُور فِي هَذَا الحَدِيث- هُوَ بالنُّون، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور، قَالَ صَاحب الْمطَالع: اخْتلفت الروَاة فِي ضَبطه فقيده جماعات بالنُّون. وَكَذَا ذكره الْهَرَوِيّ والخطابي، قَالَ الْخطابِيّ: وَقد صحفه بعض أَصْحَاب الحَدِيث فقاله بِالْبَاء، وَهَذَا خطأ، إِنَّمَا الَّذِي بِالْبَاء بَقِيع الْغَرْقَد مدفن أهل الْمَدِينَة. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: هُوَ بِالْبَاء مثل بَقِيع الْغَرْقَد. قَالَ صَاحب الْمطَالع: ومساحته مثل بريد، وَفِيه شجر كَبِير حَتَّى يغيب الرَّاكِب فِيهِ.
قلت: وَجزم الْحَازِمِي فِي مؤتلفه بِأَنَّهُ بالنُّون، قَالَ: وَهُوَ من ديار مزينة، قَالَ: وَهُنَاكَ لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مَسْجِد. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه:
عَلَى نَحْو عشْرين ميلًا من الْمَدِينَة، وَهُوَ فِي صدر وَادي العقيق.
والشرف: قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه: قَيده بَعضهم بِفَتْح السِّين وَكسر الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَبَعْضهمْ بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء الْمُهْملَة، قَالَ: وَالثَّانِي هُوَ الصَّوَاب.